Rivista Bayān

Uno spazio aperto per leggere, scrivere e studiare il mondo arabo

pexels sefa demirtas 2152709769 35277502

LA LINGUA ARABA TRA STORIA, BELLEZZA E IMPORTANZA.

اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل جسر ثقافي وحضاري امتد عبر القارات والحقب، وربط إرث الإنسانية الفكري. هذا الجسر حفظ ونقل علوم الهند وحكمة اليونان القديمة إلى أوروبا، مما أوقد شعلة النهضة الأوروبية وأضاء شمس الحضارة الحديثة. لم تقتصر العربية على كونها لغة دين أو لسان تواصل؛ بل أصبحت وعاء حضاريا ضخما يختزن تاريخ أمة، ويجسد هويتها، ويبرز قدرتها على العطاء والتجدد. فهي لغة الشعر الذي حفظ تاريخ العرب في جاهليتهم، ولغة القرآن الذي صاغ ملامح ثقافتهم وأوحى بروح وحدتهم، ولغة العلوم التي عبرت بها المعارف إلى العالم كله. إن الحديث عن العربية حديثٌ عن بحر لا ساحل له، وعن جمال يأبى الزوال. تهدف هذه المقالة إلى استكشاف الأبعاد الأساسية الثلاثة للغة العربية: تاريخها العريق وأهميتها وجمالها الذي لا يزال يسحر القلوب كأنشودة خالدة.

تعود جذور اللغة العربية إلى عائلة اللغات السامية التي تفرّعت لغاتها في المشرق من آلاف السنين، فكانت العربية إحدى تلك الفروع وأشدّها ثباتًا في بنيتها الصوتية والصرفية. ولئن اختلفت الآراء في تحديد بداياتها الأولى، فإنّ الشواهد النقشية التي وصلتنا بالخطوط النبطية والإحسائية والصفائية تدل على وجود اللغة العربية مع نهاية الألفية الأولى قبل الميلاد في شمال غربي الجزيرة العربية وجنوبي بلاد الشام (al-Jallad: 2018)ممهّدة لظهور الفصحى التي ازدهرت في جزيرة العرب قبل الإسلام.

في تلك الحقبة قبل الإسلام، ارتقت العربية إلى ذروة البيان عبر الخطابة والشعر الذي مثّل علم العرب وحفظ ذاكرتها، كما قال عمر بن الخطاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه (الأسد، مصادر الشعر:٦٢٧). فبالقصائد رُسمت صور الحياة العربية، وسجلت الأعمال البطولية، وصيغت القيم القبلية، وحفظت الذاكرة الجماعية، عبر القدرة الفائقة للشعراء على تطويع وتسخير المعاني والألفاظ. ومن هنا جاءت مقولة: الشعر ديوان العرب.لقد كان الشعر العربي قبل الإسلام مدرسة لغوية كبرى، صقلت ألفاظ اللغة وأحكمت بنيتها، وهيأت اللسان العربي لتلقي الرسالة. وفي عهد النبوة، ومع نزول القرآن تحولت العربية إلى لغة وحي ولسان مقدّس. فبإعجازه البياني وإيقاعه الفريد استطاع توحيد قبائل العرب تحت رايته، كما قال الرافعي: إن القرآن أصبح الجنسية العربية التي لا عصبية فيها إلا عصبية الروح (الرافعي، إعجاز القرآن :٦٠). 

ثم ما لبثت العربية أن تجاوزت حدود الجزيرة مع الفتوحات الإسلامية، فامتدّت من الأندلس إلى تخوم الصين، وفي عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عُربت الدواوين وأصبحت اللغة الرسمية (الجبري، تكوين العقل :٦٨) ومن أجل صونها وتثبيت قواعدها، نشأت علوم العربية كالنحو والصرف، فكان الخليل بن أحمد وسيبويه ومن تبعهم روادا في تقعيد علومها وصياغة مناهجها. وفي العصر العباسي شهدت العربية منعطفا جديدا بفضل ظهور الكتابة الورقية، حيث بنى يحيى البرمكي وزير هارون الرشيد، أول مصنع للورق في بغداد، وأنشئت دار الحكمة التي لعبت دورا رئيسيا في تحفيز حركة الترجمة، ونقل الآثار الثمينة إلى العربية من الرومية واليونانية والفارسية والهندية (ضيف، تاريخ الأدب: ١٠٣ـ١١٢). وبهذا تحوّلت العربية إلى لغة للعلوم وللفلسفة، وأبدع بها علماء المسلمين في الطب، والكيمياء، والفلك، والرياضيات. ومن خلالها دخلت هذه المعارف إلى أوروبا، فكانت الجسر الذي عبرت منه الحضارة الإنسانية إلى عصر النهضة.(Hillenbrand, Islam: 237)  وهكذا ظلّت العربية على امتداد القرون، لغة حافظة للتراث، ووسيلة لنشر المعارف، وعنوانا لوحدة ثقافية تربط بين أمم متباعدة. فهي لم تكن مجرّد لسان قومي، بل لسانا عالميا حمل رسالة الدين، وعبّر عن روح الحضارة، وأثبت قدرة فريدة على الاستمرار والتجدد.

وبرغم هذا لم تقتصر العربية على كونها لغة ماضٍ أو تراث، بل ما تزال إلى اليوم من أهم لغات العالم وأكثرها تأثيرًا. فهي اللغة الحية التي يتحدث بها أكثر من أربعمائة مليون إنسان في الوطن العربي، إضافة إلى المسلمين الذين يتعلمونها في مشارق الأرض ومغاربها لفهم القرآن وأداء شعائرهم الدينية. وبهذا فهي ليست لغة قوم، بل لغة أمة واسعة الانتشار، ولغة دين عالمي لأكثر من مليار ونصف المليار من البشر، كقول المرزوقي: العربية هي العمود الفقري للأمة، ولا وجود لها إلا بوجوده، فأمتنا خلافا لكل الأمم، لا تسكن أرضا وإنما تسكن لغتها (المرزوقي: ٢٠١١). وعلى الصعيد الثقافي تلعب العربية دورا محوريا في صون الهوية الثقافية للشعوب العربية. فهي الرابط الذي يجمع بين أقطار متفرقة جغرافيا، ولكنها متحدة باللسان والذاكرة، كما قال شوقي:

وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ
 بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ 
                 (الشوقيات:٤٣١)

فاللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل هي وعاء القيم والعادات والمخيال الجماعي، ومن خلالها ظلت الأمة العربية قادرة على المحافظة على هويتها، رغم ما تعاقب عليها من الاحتلالات وتوالي الهيمنة الثقافية الأجنبية.

أما على المستوى الدولي، فقد حظيت العربية بمكانة رسمية بين لغات العالم، إذ اعتمدتها هيئة الأمم المتحدة كلغة رسمية منذ عام ١٩٧٣، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية (موقع الأمم المتحدة: ٢٠٢٥). ويعد هذا القرار شاهدا على أهمية العربية ويمثل اعترافا بمكانتها الحضارية والثقافية، وبدورها في تشكيل مسيرة الفكر الإنساني. كما أن للعربية أهمية إستراتيجية على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي، إذ ترتبط بقطاعات حيوية كقطاع الطاقة والنفط العالمي، وتستخدم كلغة رسمية في منظمات إقليمية ودولية بارزة، كجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ما يمنحها وزنا ودورا في صياغة العلاقات الدولية.

 أما في مجال الإعلام، فإن العربية أصبحت لغة مئات القنوات الفضائية والإذاعية والصحف والمجلات، مما جعلها أداة رئيسية لتشكيل الرأي العام وتعزيز الحضور الثقافي خارج حدودها الجغرافية (فاضل:٢٠٢٣). وفي المجال الأكاديمي، تُدرَّس العربية اليوم في كبريات الجامعات العالمية المتخصصة في الدراسات الشرقية، وتعقد حولها المؤتمرات العلمية المتخصصة في قضايا الترجمة، واللسانيات، والآداب، والتاريخ. وهكذا تظل موضوعا للبحث والدراسة في المحافل العلمية، بوصفها لغة حيّة تجدد حضورها الثقافي والفكري.

إن الحديث عن العربية لا يكتمل دون الإشارة إلى جمالها المتجلي في مستويات عدة، صوتا وصورة ودلالة، حتى غدت لغة فريدة تجمع بين الموسيقى والقدرة البيانية العالية. إذ تمتاز بتناغم حروفها وتوازن مخارجها، مما يضفي على الكلام إيقاعا يأسر السامع. فالانسجام بين الأصوات وجرسها، يمنحها قدرة على صناعة السجع في النثر والنظم في الشعر، حيث الموسيقى التي تتجاوز المعنى وتخاطب الحس، كما قال العقاد: فهي في جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلام تألفت منه، ولو لم يكن من كلام الشعراء (العقاد، اللغة الشاعرة :١١).

ومن جمال العربية ما تجلى في الشعر، غير أن هذا الجمال لم يأت بسهولة أو بلا تحديات. فمنذ المعلقات التي أرست معايير الفصاحة والجزالة اللفظية، ظل الشعر العربي أسير الأوزان والقوافي التي شكّلت مصدر قوته، لكنها في الوقت نفسه قيدت أفق التجديد، وأقيمت معارك بين أنصار القديم والجديد كما نرى في مصنفات كالموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي، والوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني. ومع تحوّل العصور، وفي مطلع القرن العشرين جاء شعراء النهضة ثم شعراء الحداثة لتجاوز هذه القيود، وظهرت مدارس شعرية مختلفة، أتت بأشكال مبتكرة مثل القصيدة النثرية لكسر القوالب الجامدة وإعادة وصل الشعر بالحياة اليومية (فضل، تحولات: ١٦). وقد أثار هذا التحوّل جدلاً واسعًا بين أنصار القديم الذين يرون في الخروج عن الوزن العروضي تفريطا في هوية الشعر، وأنصار الجديد الذين اعتبروا التمرد ضرورة لبعث الروح في نصوص باتت متكررة. وهكذا ظل الشعر العربي مجالاً للتوتر بين الأصالة والابتكار، وبين الوفاء للقوالب الموروثة والسعي إلى آفاق جمالية جديدة، مما يعكس في النهاية حيوية ومرونة العربية وقابليتها للتجديد وقدرتها على الحوار مع روح العصر. وليس الأمر مجرّد صراع فني في بنية النص، بل هو مرآة لمعركة أعمق حول هوية الثقافة العربية بين ماضيها الراسخ وحاضرها المتحوّل.

لم تقف جماليات العربية عند حدود الصوت والمعنى، بل تجاوزته إلى البصر عبر فنون الخط العربي. فقد تحوّل الحرف من أداة للتدوين إلى تحفة فنية، فأنواع الخطوط العربية كثيرة منها: الثلث والرقعة والديواني، أما أهمها فهو الخط الكوفي الذي بلغ منزلته الرفيعة في العصر العباسي لتفننهم في تجميل رسمه وشكله فأدخلوا عليه فنونا كثيرة من الزخارف (الكردي، تاريخ الخط العربي: ١٠٠-١١١)، وبفضل هذه الأشكال الفنية الزخرفية أصبح الحرف العربي لوحات تُزيَّن بها المصاحف والجوامع والقصور، حتى غدا هذا الجمال البصري جزءا أصيلا من هوية اللغة. ولم يكن الخط مجرد زخرفة جامدة، بل صار حاملا لقدسية النص القرآني الذي ارتبط به منذ البدايات، وروح الإبداع الفني التي أفسحت المجال أمام تنويع لا ينضب من الأشكال والابتكارات، محولا الحرف العربي إلى رمز جمالي وروحي معا، يجمع بين دقة الأداء الفني وعمق الرسالة الثقافية، ليؤكد أن العربية ليست لغة تُسمع وتُقرأ فحسب، بل لغة تُرى وتُعاش في أبهى حُلتها.

ومن وجوه الجمال أيضا ثراؤها المعجمي، فلكلمة “سيف” وحدها عشرات المرادفات (السيوطي، المزهر: ٣١٨)، وألف ابن خالويه كتيبا جمع فيه زُهاء خمسمائة اسم وصفة للأسد، وتبرأ السيوطي من معرة المعري ونظم أرجوزة في أسماء الكلب،[1] وكذلك للإبل والخيول أسماء لا تكاد تُحصى، وهو ما يعكس عمق الصلة بين اللغة والبيئة والتجربة الحضارية للعرب. وظل هذا المخزون المعجمي مصدر قوة وإبداع، سمح للعربية أن تصوغ أدق المعاني بعبارات موجزة ومكثفة. كما أن نظام الجذور – الذي هو المادة الأساسية للكلمة، سواء كانت ثنائية أو ثلاثية – يمنح معنى عاما حول فكرة معينة، وتضاف الحركات لاحقًا لحصر هذا المعنى في إطار محدد، ما يتيح توليد ألفاظ جديدة بمرونة مذهلة (Boufarra:2018). فبكلمة واحدة يمكن اشتقاق عشرات الأفعال والأسماء والصفات، مما مكن العربية من التكيف مع العصور المختلفة وإنتاج مصطلحات جديدة في ميادين العلوم والآداب. وهكذا جمعت العربية بين الدقة والثراء، بين الاقتصاد في المبنى والانفتاح في المعنى، لتظل قادرة على التعبير عن التجربة الإنسانية في مختلف تجلياتها.

في الختام، إن العربية جمال أخّاذ ينساب في الكلمة والصوت والصورة، فهي لغة تواصل وحاضنة تراث وكيان حيّ يعكس روح أمة وهويتها، ويحمل رسالة الإنسان والمعرفة عبر العصور. هي اللغة التي صاغت ذاكرة العرب، وأشرقت بالقرآن فكانت عنوانا لوحدة الأمة ورسالتها، ثمّ فتحت أبوابها للمعرفة الإنسانية، تنقل وتُبدع وتُضيف. واليوم لا تزال حية وفاعلة، تجمع بين الأصالة والقدرة على التجدد، لتبقى لغة حياة، وهوية، وجمال لا ينطفئ بريقه.


[1] ألف السيوطي هذه الأرجوزة للتبرؤ من مقولة المعري: الكلب هو من لا يعرف للكلب سبعين اسما 

Lascia un commento

Il tuo indirizzo email non sarà pubblicato. I campi obbligatori sono contrassegnati *